السبت، 9 مايو 2009

في موسم حلقات البحث.. هل تحقق الجانب العملي؟ أم أنها "حلقات مفرغة في سلسلة العملية التعليمية؟"

أستاذ جامعي: أمام أعداد الطلاب الهائلة تصبح حلقة البحث "شكلية"

أثار الطلاب الذين تمت مقابلتهم في هذا التحقيق إشكاليات مختلفة حول "حلقة البحث" ودورها في العملية التعليمية،
ففي حين رأى بعض الطلاب أن حلقة البحث هي آخر ما تبقى من العملي أو التطبيقي في الكليات النظرية، وبالتالي تستحق عناء الإعداد الجيد والمناقشة، رأى البعض الآخر –وربما الغالبية- أن حلقة البحث لا تخرج عن كونها "فصل فاشل في مسرحية العملية التعليمية في الجامعات السورية".

طلاب مجتهدون!

ماجد عكش طالب قسم علم اجتماع بكلية الآداب في جامعة دمشق يقول إنه أمضى قرابة الشهر باذلا قصارى جهده في إعداد حلقة بحث حول "سيكيولوجيا الاتصال"، وأن الحلقة كانت وبحسب شهادة الجميع "متكاملة الجوانب"، حيث اعتمد على "مصادر متنوعة لإغناء الحلقة بالمعلومات"، كما أنه أجرى "بحثا ميدانيا يعتمد على توزيع الاستثمارات التي تتضمن أسئلة دقيقة على العينة المطلوبة" حتى وصل إلى نتائج دقيقة.
‏لكن المشكلة حسب قول رامي هي أنه نال علامة 17/20 على عمله، وهي علامة "متواضعة جدا قياسا بالجهد المبذول"، حيث لم يكلف أستاذ المقرر نفسه بمناقشة رامي في كل جوانب البحث، حتى أن الحلقة بكاملها والتي استمر إعدادها قرابة الشهر لم ينظر أستاذ المقرر لها سوى لدقيقتين، كما يقول رامي.

وآخرون يحتالون على العلامة

أما عيسى وهو زميل لرامي في القسم فلم يكلف نفسه كل هذا العناء، حيث قام وكما يقول هو نفسه بـ "نقل بحثه من حلقة قديمة أُعدت في سنة ماضية"، أما البحث الميداني فعمل عيسى على ملء الاستثمارات بنفسه دون أن يتكلف عناء توزيعها.
وبرأي عيسى أن "الحلقة ستجد طريقها في النهاية إلى مخزن الكلية ثم إلى القمامة، وبالتالي سيذهب أي جهد يبذل في إعدادها هدرا".
فيما يعمل مراد من قسم الصحافة على إعادة طباعة بحث منشور على عدة صفحات في إحدى الكتب أو المجلات وتقديمه على أساس أنه حلقة بحث، ويدون في نهايتها أسماء عدة مراجع أو مصادر وهمية.
يقول "الأستاذ أو المعيد في الغالب لا يقرأ الحلقة وبالتالي لا يمكن له التأكيد فعلا من الاعتماد على تلك المصادر، وإنما يكتفي بتصفح الحلقة خلال دقيقة أو اثنتين، فلماذا التعب!؟"، ويضيف "حصل ذات مرة أن صوَّرت صديقتي حلقة بحثي كاملة وقدمتها إلى نفس الأستاذ بعد تغيير عنوانها فقط فحصلت على 18 علامة فيما أنا حصلت على 16 علامة!".
أما رشا من قسم اللغة الإنكليزية في الجامعة ذاتها فتعتقد أن "الهدف الأساسي هو العلامة وليس الفائدة العلمية خاصة وأنها تعتمد على المناقشة الشفهية"، وتقول "غالبا ما تتوقف علامة حلقة البحث على علاقة الطالب بأستاذ المادة وليس على ما تحتويه هذه الحلقة من معلومات، وأحيانا كثيرة تتساوى علامة طالب مجتهد مع آخر مهمل فقط لأنه على علاقة جيدة مع الدكتور أو المعيد".‏‏
وكانت جامعة دمشق ألغت العديد من حلقات البحث في كثير من الأقسام والكليات بسبب الأعداد الكبيرة للطلاب، ومن المفارقة أن الجامعة ألغت حلقة البحث في مادة تدعى "أصول كتابة البحث" في قسم اللغة الإنكليزية.

مشكلة المراجع

بعد تكليفهم بحلقة بحث يبدأ الطلاب "الجادون" البحث عن مراجع ومصادر في المكتبات، ويصف عبد السلام صنوبرة من كلية التربية عملية البحث تلك بأنها "أصعب مرحلة في إعداد حلقة البحث"، مرجعا السبب إلى "ندرة المصادر المتوفرة في مكتبة الكلية، والمكتبة المركزية بكلية الحقوق، وكذلك ازدحام مكتبة الأسد في هذا الوقت من السنة بمئات الطلاب، إضافة إلى سوء عمليات الأرشفة والبحث عن الكتب داخل تلك المكتبات".
ولا تزال المكتبات في سورية تعتمد الطريقة البدائية في الأرشفة والتي تقوم على توزيع الكتب وفق عناوينها وأسماء مؤلفيها على قصاصات ورقية أو كرتونية.‏‏
كما تشتكي زميلته ريما مقدسي من أن "بعض الأساتذة يجبر الطلاب على الاعتماد على مرجع محدد يكون في الغالب من تأليفه أو أنه على اطلاع واسع عليه ليتمكن من تقييم حلقات بحث الطلاب المأخوذة عن هذا المرجع، لكن المشكلة هي أن أحد الطلاب يستعير هذا المرجع ولا يحتفظ به لفترة طويلة الأمر الذي ينعكس سلباً على زملائه الآخرين".

والأساتذة يتحلقون حولها

الدكتور بلال عرابي الأستاذ في قسم علم الاجتماع بجامعة دمشق يؤكد على "أهمية حلقة البحث خصوصا في الكليات النظرية التي تفتقر إلى التدريب التطبيقي"، فهي برأيه "تعوض الطالب عما يفتقده من معلومات في القسم النظري ويعلمه كيفية البحث والكتابة، وتصقل الأسلوب وتعمق المعرفة".
وفي حين يشير الدكتور عرابي إلى "معاناة الأساتذة من إهمال كثير من الطلاب هذا الجانب التطبيقي من دراستهم"، فإنه يؤكد من جهة أخرى على "دور الأساتذة في حث الطلاب على البحث من خلال عدم الاكتفاء بإعطائهم عنوان الموضوع المطلوب بحثه ثم الاطلاع عليه جاهزا دون أن تتم متابعته".
لكن بلال يضيف "أقول بكل صراحة إنه أمام إعداد الطلاب الهائلة في الجامعات السورية ومنها جامعة دمشق وتحديدا كلية الآداب تبقى حلقة البحث شكلية نتيجة لعدم مقدرة المشرف على إعطاء الوقت الكافي لمناقشة كل طالب على حدة".
وتضم الجامعات السورية الحكومية الخمس دمشق وحلب وتشرين والبعث والفرات قرابة أربعمئة وخمسين ألف طالب، وتضم كلية الآداب بجامعة دمشق لوحدها ما يزيد عن أربعين ألف طالب.
وفي الموضوع ذاته يشير أحد الأكاديميين إلى "افتقار جامعة دمشق والعملية التعليمية في الجامعات الحكومية بشكل عام إلى منظومة بحثية تطبيقية فيما يتعلق بالكليات النظرية وحلقات البحث، والكليات التطبيقية من حيث المخابر والاستاجات وغيرها".
وقال الأكاديمي الذي فضل الكشف عن اسمه "العملية التعليمية في الجامعات الحكومية السورية هي استمرار للمنهج التلقيني النظري الذي يبدأ مع التلميذ في مراحل التعليم الابتدائي والإعدادي والثانوي، والذي يعتمد على حشو المعلومات في أذهان الطلاب ثم إفراغها على الورقة الامتحانية".
ذلك في حين تلجأ بعض الجامعات في العالم كالجامعات الألمانية على سبيل المثال فإنها تعتمد في برامجها التطبيقية على توطيد العلاقات مع المؤسسات الاقتصادية كالمصارف وشركات التأمين، وأرباب الصناعة، والجمعيات المهنية كنقابات المهندسين، والمحامين، عن طريق تأمين تمثيل دائم لهم في مختلف المجالس الجامعية كمجالس الأقسام والكليات والجامعات بما يتيح لهم تقديم النصح والمشورة العلمية حول حاجات مختلف هذه القطاعات الاقتصادية والإنتاجية، الأمر الذي ينعكس بدوره على المحتوى العلمي للبرامج التعليمية وعلى خطط البحث العلمي في هذه الجامعات.‏
خالد موسى - سيريانيوز

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق