البحث العلمي والبيروقراطية الإدارية
د. عبدالرحمن الطريري
يلعب البحث العلمي دوراً رئيساً في نمو وتطور الأمم، وما من أمة علا شأنها وارتقت إلا كان للبحث العلمي قصب السبق في هذا النمو، والتطور الذي تصل إليه هذه الأمة أو تلك. ولعله من نافلة القول الإشارة إلى أن البحث العلمي لا بد من توافر ظروف وبيئة يدعمانه ويسهلان كافة الأنشطة ذات العلاقة به، وأول هذه الظروف تهيئة الباحثين القادرين على القيام بهذه المهمة، والقدرة تتمثل في معرفة واسعة وعمق في مجال من المجالات، إضافة إلى اكتساب مهارات البحث العلمي وآلياته. وإذا علمنا المهمة الشاقة التي يقوم بها الباحثون في كافة المجالات ندرك أهمية الرعاية والاهتمام بالباحثين، رعاية معنوية تتمثل في التشجيع والدعم، والمساندة، ورعاية مادية تتمثل في مدهم بما يحتاجون إليه من مراجع، ومصادر معرفة، إضافة إلى المواد العينية التي قد يحتاج إليها الباحث إن كان من المتخصصين في مجال العلوم الطبيعية كالفيزياء، والكيمياء وغيرهما. وتختلف المجتمعات في نظرتها للبحث العلمي والباحثين إذ قد نجد مجتمعاً يعج بكافة الأنشطة والفعاليات ذات الطابع العلمي من مؤتمرات وندوات، وورش عمل، وهذا يستوجب إيجاد قنوات نشر معرفي كالمجلات والدوريات العلمية، ومثل هذا الوضع يؤكد النظرة الإيجابية التي يكنها المجتمع لهذا النوع من النشاطات، بينما نجد مجتمعاً آخر تقل فيه النشاطات العلمية ذات الطابع البحثي بل ربما تنعدم، وهذا يعكس نظرة غير محبذة للبحث العلمي رغم أن المجتمع قد يكون مملوء بالكوادر المؤهلة ولديه إمكانات مادية تساعد على إجراء البحوث في المجالات كافة. إن النظرة الضيقة، ومحدودة الأفق التي قد تسود في مجتمع من المجتمعات إزاء البحث العلمي تجعل هذا النشاط محدوداً ومكبلاً من كافة الجوانب. تأملت في واقع بعض المجتمعات فألفيت أن الثقافة العامة، والوضع الحضري للمجتمع يشكلان حاضنة دافئة يمكن أن ينمو البحث العلمي ويسمق عوده فيها ومن ثم يؤتي أكله لأبناء مجتمعه، وغيرهم من أبناء المجتمعات الأخرى، وهذا ما نراه ماثلاً في حياتنا اليومية في مأكلنا، ومراكبنا من سيارات وطائرات، وقطارات، وفي وسائل الاتصال الحديثة، إضافة إلى الأدوية وتقنيات الطب المتقدمة، كل هذا وغيره من وسائل الحياة المعاصرة، وأدواتها لم يأت من فراغ بل هو نتاج جهود بحثية قام بها علماء أفنوا أعمارهم في سبيل إيجاد نظرية، أو التحقق من قانون، أو البحث في أثر تفاعل عنصر مع عنصر آخر، أو في التأثير الذي قد يتركه أسلوب محفز على سلوك العامل في المصنع، أو في الإدارة التي يعمل فيها الفرد. في المجال التربوي والإنساني يوجد كثير من المواضيع التي تحتاج إلى بحوث ودراسات مستفيضة من قبل الباحثين والدارسين المتخصصين، سواء كان ذلك في مجالات المناهج وطرق التدريس أو في تقنيات التعليم أو في دراسة السلوكيات الشاذة، والظواهر غير اللائقة التي بدأت تظهر على سلوك الأطفال والشباب أو في الإدارة، وأذكر على سبيل المثال لا الحصر مشكلة انخفاض مستوى الطلاب في بعض مجالات المعرفة خاصة العلوم، والرياضيات، حيث يلاحظ انخفاض مستوى طلابنا عند مقارنتهم بالطلاب الآخرين على مستوى العالم. كما أن ما نلاحظه من تراجع في مستوى الطلاب في مهارات الكتابة، والتحدث أمام الآخرين، أو في مهارات التنظيم يكشف الحاجة إلى مزيد من الجهود والدعم للبحث العلمي في المجالات كافة كي يتمكن المتخصصون من دراسة هذه الظاهرة التربوية وغيرها.
في مثل هذا الوقت من العام الماضي زارني أحد طلاب الدراسات العليا في الجامعة ومن كلية أخرى مستفزعاً ومستنجداً بهدف مساعدته في تجاوز مشكلة واجهها في إحدى الدوائر الحكومية، وطلب النجدة هذا ليس في البحث عن واسطة داخل ذلك الجهاز، ولكن لمعرفة الآلية، والمنهجية التي من الممكن أن يستخدمها لاختيار عينة الدراسة، إذ إن طالب الدراسات العليا كان يستهدف إجراء بحث بشأن الحكومة الإلكترونية واستعداد وتقبل الموظفين على أن يقارن بين جهازين حكوميين بغرض معرفة أي الجهازين تتوافر لدى موظفيه الخصائص اللازمة، والمساعدة على تحقيق مفهوم الحكومة الإلكترونية، وقد راعى الطالب كثيرا من الشروط المنهجية، والمتعارف عليها في لغة العلم لكنه فوجئ بأن أحد الجهازين لم يوافق له على إجراء الدراسة، ومع الإلحاح والشرح لمسؤولي الجهاز وافق نائب الوزير في ذلك الجهاز على أن يكتب خطاباً للوزير الذي تصادف وجوده في جدة بهدف استئذانه لإجراء الدراسة، بينما الجهاز الآخر، الذي ستجرى فيه الدراسة أيضاً وجد لديهم الترحيب والموافقة على إجراء الدراسة ليس من الوزير، ولا من نائب الوزير، بل من مدير شؤون الموظفين. ولحيرة هذا الطالب في الوصول إلى طريقة تمكنه من اختيار عينة تمثل الجهازين تمثيلاً صادقاً حتى تكون المقارنة صادقة جاء مستفسراً، وطالباً العون في ذلك. تأملت في هذا الموقف، جهازان من أجهزة الدولة أحدهما لا بد من استئذان الوزير وآخر يوافق مدير شؤون الموظفين فألفيت مفارقة صارخة تكشف عن خلل في التفكير الإداري، وعدم إدراك لقيمة البحث العلمي، ولا شك أنه في تلك الوزارة التي لا بد من أخذ موافقة الوزير على كل شاردة وواردة، وهذا يكشف لنا أن البيروقراطية الإدارية التي يلتزم بها وزير، أو مسؤول، ويلزم بها جهازه قد تكون إحدى معوقات البحث العلمي التي تفقدنا كثير من المصالح، فهل نتجاوز البيروقراطية، ونضعها جانباً خاصة عندما يكون الأمر متعلقاً بالبحث العلمي حتى لا نشعر الباحثين بالإحباط ونفقد على أنفسنا ما قد نكون بحاجة إليه من دواء، أو نظم، أو أي شيء يسهل علينا الحياة؟
د. عبدالرحمن الطريري
يلعب البحث العلمي دوراً رئيساً في نمو وتطور الأمم، وما من أمة علا شأنها وارتقت إلا كان للبحث العلمي قصب السبق في هذا النمو، والتطور الذي تصل إليه هذه الأمة أو تلك. ولعله من نافلة القول الإشارة إلى أن البحث العلمي لا بد من توافر ظروف وبيئة يدعمانه ويسهلان كافة الأنشطة ذات العلاقة به، وأول هذه الظروف تهيئة الباحثين القادرين على القيام بهذه المهمة، والقدرة تتمثل في معرفة واسعة وعمق في مجال من المجالات، إضافة إلى اكتساب مهارات البحث العلمي وآلياته. وإذا علمنا المهمة الشاقة التي يقوم بها الباحثون في كافة المجالات ندرك أهمية الرعاية والاهتمام بالباحثين، رعاية معنوية تتمثل في التشجيع والدعم، والمساندة، ورعاية مادية تتمثل في مدهم بما يحتاجون إليه من مراجع، ومصادر معرفة، إضافة إلى المواد العينية التي قد يحتاج إليها الباحث إن كان من المتخصصين في مجال العلوم الطبيعية كالفيزياء، والكيمياء وغيرهما. وتختلف المجتمعات في نظرتها للبحث العلمي والباحثين إذ قد نجد مجتمعاً يعج بكافة الأنشطة والفعاليات ذات الطابع العلمي من مؤتمرات وندوات، وورش عمل، وهذا يستوجب إيجاد قنوات نشر معرفي كالمجلات والدوريات العلمية، ومثل هذا الوضع يؤكد النظرة الإيجابية التي يكنها المجتمع لهذا النوع من النشاطات، بينما نجد مجتمعاً آخر تقل فيه النشاطات العلمية ذات الطابع البحثي بل ربما تنعدم، وهذا يعكس نظرة غير محبذة للبحث العلمي رغم أن المجتمع قد يكون مملوء بالكوادر المؤهلة ولديه إمكانات مادية تساعد على إجراء البحوث في المجالات كافة. إن النظرة الضيقة، ومحدودة الأفق التي قد تسود في مجتمع من المجتمعات إزاء البحث العلمي تجعل هذا النشاط محدوداً ومكبلاً من كافة الجوانب. تأملت في واقع بعض المجتمعات فألفيت أن الثقافة العامة، والوضع الحضري للمجتمع يشكلان حاضنة دافئة يمكن أن ينمو البحث العلمي ويسمق عوده فيها ومن ثم يؤتي أكله لأبناء مجتمعه، وغيرهم من أبناء المجتمعات الأخرى، وهذا ما نراه ماثلاً في حياتنا اليومية في مأكلنا، ومراكبنا من سيارات وطائرات، وقطارات، وفي وسائل الاتصال الحديثة، إضافة إلى الأدوية وتقنيات الطب المتقدمة، كل هذا وغيره من وسائل الحياة المعاصرة، وأدواتها لم يأت من فراغ بل هو نتاج جهود بحثية قام بها علماء أفنوا أعمارهم في سبيل إيجاد نظرية، أو التحقق من قانون، أو البحث في أثر تفاعل عنصر مع عنصر آخر، أو في التأثير الذي قد يتركه أسلوب محفز على سلوك العامل في المصنع، أو في الإدارة التي يعمل فيها الفرد. في المجال التربوي والإنساني يوجد كثير من المواضيع التي تحتاج إلى بحوث ودراسات مستفيضة من قبل الباحثين والدارسين المتخصصين، سواء كان ذلك في مجالات المناهج وطرق التدريس أو في تقنيات التعليم أو في دراسة السلوكيات الشاذة، والظواهر غير اللائقة التي بدأت تظهر على سلوك الأطفال والشباب أو في الإدارة، وأذكر على سبيل المثال لا الحصر مشكلة انخفاض مستوى الطلاب في بعض مجالات المعرفة خاصة العلوم، والرياضيات، حيث يلاحظ انخفاض مستوى طلابنا عند مقارنتهم بالطلاب الآخرين على مستوى العالم. كما أن ما نلاحظه من تراجع في مستوى الطلاب في مهارات الكتابة، والتحدث أمام الآخرين، أو في مهارات التنظيم يكشف الحاجة إلى مزيد من الجهود والدعم للبحث العلمي في المجالات كافة كي يتمكن المتخصصون من دراسة هذه الظاهرة التربوية وغيرها.
في مثل هذا الوقت من العام الماضي زارني أحد طلاب الدراسات العليا في الجامعة ومن كلية أخرى مستفزعاً ومستنجداً بهدف مساعدته في تجاوز مشكلة واجهها في إحدى الدوائر الحكومية، وطلب النجدة هذا ليس في البحث عن واسطة داخل ذلك الجهاز، ولكن لمعرفة الآلية، والمنهجية التي من الممكن أن يستخدمها لاختيار عينة الدراسة، إذ إن طالب الدراسات العليا كان يستهدف إجراء بحث بشأن الحكومة الإلكترونية واستعداد وتقبل الموظفين على أن يقارن بين جهازين حكوميين بغرض معرفة أي الجهازين تتوافر لدى موظفيه الخصائص اللازمة، والمساعدة على تحقيق مفهوم الحكومة الإلكترونية، وقد راعى الطالب كثيرا من الشروط المنهجية، والمتعارف عليها في لغة العلم لكنه فوجئ بأن أحد الجهازين لم يوافق له على إجراء الدراسة، ومع الإلحاح والشرح لمسؤولي الجهاز وافق نائب الوزير في ذلك الجهاز على أن يكتب خطاباً للوزير الذي تصادف وجوده في جدة بهدف استئذانه لإجراء الدراسة، بينما الجهاز الآخر، الذي ستجرى فيه الدراسة أيضاً وجد لديهم الترحيب والموافقة على إجراء الدراسة ليس من الوزير، ولا من نائب الوزير، بل من مدير شؤون الموظفين. ولحيرة هذا الطالب في الوصول إلى طريقة تمكنه من اختيار عينة تمثل الجهازين تمثيلاً صادقاً حتى تكون المقارنة صادقة جاء مستفسراً، وطالباً العون في ذلك. تأملت في هذا الموقف، جهازان من أجهزة الدولة أحدهما لا بد من استئذان الوزير وآخر يوافق مدير شؤون الموظفين فألفيت مفارقة صارخة تكشف عن خلل في التفكير الإداري، وعدم إدراك لقيمة البحث العلمي، ولا شك أنه في تلك الوزارة التي لا بد من أخذ موافقة الوزير على كل شاردة وواردة، وهذا يكشف لنا أن البيروقراطية الإدارية التي يلتزم بها وزير، أو مسؤول، ويلزم بها جهازه قد تكون إحدى معوقات البحث العلمي التي تفقدنا كثير من المصالح، فهل نتجاوز البيروقراطية، ونضعها جانباً خاصة عندما يكون الأمر متعلقاً بالبحث العلمي حتى لا نشعر الباحثين بالإحباط ونفقد على أنفسنا ما قد نكون بحاجة إليه من دواء، أو نظم، أو أي شيء يسهل علينا الحياة؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق